سيد محمد طنطاوي

210

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) * أي انتظرونا وتريثوا في سيركم لكي نلحق بكم ، فنستنير بنوركم الذي حرمنا منه ، وننتفع بالاقتباس من نوركم الذي أكرمكم اللَّه - تعالى - به . قال الآلوسي : * ( انْظُرُونا ) * أي : انتظرونا * ( نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ ) * نصب منه ، وذلك بأن يلحقوا بهم ، فيستنيروا به . . وأصل الاقتباس طلب القبس ، أي الجذوة من النار . وقولهم للمؤمنين ذلك ، لأنهم في ظلمة لا يدرون كيف يمشون فيها . وروى أن ذلك يكون على الصراط « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً ) * حكاية لما يرد به عليهم المؤمنون ، أو الملائكة . أي : قال المؤمنون في ردهم على هؤلاء المنافقين : ارجعوا وراءكم حيث الموقف الذي كنا واقفين فيه فالتمسوا منه النور ، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا ، عن طريق تحصيل سببه وهو الإيمان ، أو ارجعوا خائبين فلا نور لكم عندنا . وهذا القول من المؤمنين لهم ، على سبيل التهكم بهم ، إذ لا نور وراء المنافقين . وقوله : * ( وَراءَكُمْ ) * تأكيد لمعنى * ( ارْجِعُوا ) * إذ الرجوع يستلزم الوراء . ثم بين - سبحانه - ما حدث للمنافقين بعد ذلك فقال : * ( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَه بابٌ باطِنُه فِيه الرَّحْمَةُ ، وظاهِرُه مِنْ قِبَلِه الْعَذابُ ) * . أي : فضرب بين المؤمنين وبين المنافقين يحاجز عظيم ، هذا الحاجز العظيم ، والسور الكبير * ( لَه بابٌ ) * باطن هذا الباب مما يلي المؤمنين * ( فِيه الرَّحْمَةُ ) * أي : فيه الجنة ، وظاهر هذا الباب مما يلي المنافقين * ( مِنْ قِبَلِه الْعَذابُ ) * . أي : يأتي من جهته العذاب . قالوا : وهذا السور ، هو الحجاب المذكور في سورة الأعراف في قوله - تعالى - : وبَيْنَهُما حِجابٌ وعَلَى الأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ . والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان أن المؤمنين في مكان آمن تحيط به الجنة ، أما المنافقون ففي مكان مظلم يؤدى بهم إلى النار وبئس القرار . ثم حكى - سبحانه - أن المنافقين لم يكتفوا بهذا الرجاء للمؤمنين ، بل أخذوا ينادونهم في تحسر وتذلل فيقولون لهم - كما حكى القرآن عنهم - : * ( يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 176 .